منظر بانورامي رائع لفناء التكية السليمانية الصغرى ~حقوق الملكية للصورة للمهندس أسامة البيك

التكية السليمانية ~ تحفة الفن العثماني في دمشق ~

المقال و الصور الملونة من تحقيق و بحث المهنس أسامة البيك –
و الصور القديمة للتكية من أرشيف الأستاذ همام سلام –
كثرت التكايا في العصر العثماني في مختلف مدن الإمبراطورية العثمانية و منها التكية السليمانية بدمشق، و هي جزء من أهم ظاهرة شاعت و انتشرت مع بداية دخول العثمانيين على دمشق عام 1516م بعد معركة مرج دابق و هذه الظاهرة تعتبر تطوراً في العمائر الإسلامية التي ترافقت مع المد الحضاري الذي أتى به العثمانيون إلى بلاد الشام.

فالتكية عبارة عن مدرسة تنتمي إلى فصيلة المباني الدينية و لها وظيفة أساسية هي إقامة الشعائر و فرائض العبادة مما جعلها مكاناً للمتصوفة ينقطعون فيها و يأمنون الخلوة للدعاء و الصلاة .
و التكية في المفهوم العثماني توازي ما أقيم قبلها من نظام الأربطة و الخانقوات مع اختلاف التسمية إلا أن العثمانيين قد أعطوا هذا النوع من الأبنية وظيفة أخرى لتكون مجالاً للتصدق و إطعام المساكين و الفقراء و أبناء السبيل.
__________

لقطة رائعة للتكية
لقطة رائعة للتكية

تعد التكية السليمانية في دمشق من أهم الآثار العثمانية، و سميت نسبة إلى السلطان سليمان القانوني الذي أمر ببنائها عام 1554، و كان قد أمر ببنائها أولاً والده السلطان سليم فاتح الشام و مصر، و كان السلطان سليم قد أمر منذ دخوله دمشق بإنشاء مسجد إلى جانب تكية و تربة، فتم إنشاؤها و ذلك في شرق المرج الأخضر المعروف آنذاك بميدان ابن أتابك بين نهري بانياس و بردى و كان الهدف الرئيسي من بناء التكية إيواء الطلبة الغرباء و إيجاد مكان فسيح يستقر فيه الحجاج من تركيا و آسيا الوسطى و أوروبا في طريقهم للديار المقدسة في موسم الحج و كان مكانها قصر إمارة الفاطميين و بنى مكانه السلطان الظاهر بيبرس “القصر الأبلق” الذي هدم زمن تيمورلنك و انتهى بناء التكية السليمانية سنة 967 هجري 1559م كما تم بناء المدرسة الملحقة بها عام 974 هجري 1566م و هي السنة التي توفي بها السلطان القانوني.

السلطان العثماني سليمان القانوني
السلطان العثماني سليمان القانوني

________–

و التكية من تصميم المعماري التركي المعروف “سنان باشا” الذي كان يرافق السلطان سليمان في حروبه و اطلع على الطرز المعمارية في الشرق و الغرب، و أشرف على بنائها المهندس الإيراني الأصل ملا آغا إضافة للمهندس الدمشقي العطار، بدأ بناؤها سنة 1554 و انتهى سنة 1559 في عهد الوالي “خضر باشا”، أما المدرسة الملحقة بها فتم بناؤها سنة 1566 في عهد الوالي “لالا مصطفى باشا”.
أبرز ما يميز طراز التكية السليمانية مئذنتاها النحيلتان اللتان تشبّهان بالمسلّتين لشدة نحولهما، و هو طراز لم يكن مألوفا في دمشق حتى تلك الحقبة، و يبدو تأثير المعمار سنان واضحاً في شكل القباب و في

إحدى مآذن المسجد في التكية ~حقوق ملكية الصورة للمهندس اسامة البيك
إحدى مآذن المسجد في التكية ~حقوق ملكية الصورة للمهندس اسامة البيك

شكل المئذنتين الواقعتين في زاويتي الجدار الشمالي للمسجد، و هما مضلعتان و لكن تبدوان أسطوانيتين يعلوهما قمع مخروطي من الرصاص، و لكل مئذنة شرفة محمولة على مساند من المقرنصات، و في داخل المسجد محراب تعلوه زخارف حجرية مقرنصة و إلى جانبه منبر رخامي.
و ينفتح حرم المسجد على الصحن بباب رائع الزخرفة يتقدمه مظلة ضخمة محمولة على أعمدة ذات تيجان مقرنصة ملساء، و المظلة مؤلفة من ثلاث قباب ويتقدم المظلة رواق أقل ارتفاعاً محمول على قناطر ذات أعمدة ضخمة.
___________

و من أروع ما يميز هذه التكية هو الزخارف التي تعلو الأبواب و النوافذ، أو التي تزين جدران المسجدين من الداخل على شكل سجاجيد، وهذه الزخارف مؤلفة من ألواح خزفية صنعت كلها في دمشق، و هي ذات

الزخارف من بلاطات القيشاني في التكية السليمانية ~حقوق ملكية الصورة للمهندس أسامة البيك
الزخارف من بلاطات القيشاني في التكية السليمانية ~حقوق ملكية الصورة للمهندس أسامة البيك

مواضيع زخرفية نباتية و كتابات قرآنية، بلونين، الأزرق و الأخضر و بعض اللون الأحمر الرمّاني، الذي امتازت به ألواح الخزف الدمشقي و التي يميزها عن الخزف التركي.

___________

وصف التكية السليمانية :

إلى جانب نهر بردى يمكن رؤية التكية السليمانية كبناء وادع بين أكمة من أشجار الصفصاف و الصنوبر بقببه البيضاء المصطفة على شكل هندسي يوحي برصانة المشهد و تآلفه ضمن مشهد المدينة، و قد استطاع الدمشقيون أن يحافظوا على خصوصيته و فرادته.

التكية السليمانية
التكية السليمانية

تتألف التكية السليمانية من مجموعتين من الأبنية غربية و شرقية و تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 11000 متر مربع.

1- التكية الكبرى و هي بجهة الغرب و هي بناء ضخم يتألف من عدد من المباني المستقلة، يحيط بها جميعاً سور مرتفع أبعاده 125×94م، و مدخل التكية الرئيسي يقع في الشمال، تعلوه قبة محمولة على أعمدة، و ثمة باب أصبح أكثر استعمالاً ينفتح من الغرب، مخترقاً الصحن السماوي و فيه بركة و نافورة جميلة و الصحن مبلط بالحجارة البيضاء و السوداء، و متصلاً بباب آخر ينفتح على السوق و المدرسة، و لقد غطت الحدائق و

التكية السليمانية
التكية السليمانية

الأشجار جميع الفراغات بين الأبنية التي تتقدمها أروقة مسقوفة بقباب منخفضة و خلفها قاعات مسقوفة بقباب مماثلة أكثر ارتفاعاً يتخللها ذؤابات المداخن على شكل مآذن صغيرة، و يبدو المشهد رائعاً عندما يتناغم شكل القباب المتكرر، مع شكل الأقواس فوق أعمدة الأروقة في جميع الأبنية التي كانت تستعمل لإيواء المصلين والمتعلمين و لإطعامهم، و جميع الأبنية الواقعة في القسم الشمالي تؤكد هذه الوظائف التي ألغيت الآن.
________________

أما في الجهة الجنوبية فيقع المسجد و به مئذنتان متساويتان في الارتفاع و الشكل، أما المسجد فيقع في منتصف القسم القبلي أي

التكية السليمانية
التكية السليمانية

الجنوبي من الصحن، و هو حرم و صحن، هو صحن التكية المشترك، و هذا الحرم مربع الشكل طول ضلعه ستة عشر متراً تغطيه قبة عالية ذات قطر واسع ذات عنق مؤلف من عدد من النوافذ ذات الزجاج المعشق و يحمل القبة أربعة أقواس محمولة على أركان الجدران في زواياها مثلثات كروية، و يعلو جدران الحرم نوافذ كانت محلاة بالمعشق، أما واجهات الحرم من الخارج فهي مؤلفة من مداميك أبلقية من الحجر الأبيض و الأسود بشكل متناوب، و هو طابع جميع جدران هذه التكية، و لعل هذا التشكيل البديع كان مطابقاً لتشكيل المباني المملوكية، و بخاصة قصر الأبلق الذي كان قد أنشأه الملك الظاهر بيبرس، و هدمه تيمورلنك وكان السلطان سليمان قد أعاد استعمال حجارته في موقع التكية نفسه.

أما الجهة الشمالية فعبارة عن عدة غرف كبيرة، كل غرفة مسقوفة بعدد من القباب ترتكز على أعمدة داخلية كانت تستخدم لإقامة الطلبة الغرباء.
______________

صورة للقبب العسكرية حقوق الملكية  للصورة للاستاذ مؤنس البخاري
صورة للقبب العسكرية حقوق الملكية للصورة للاستاذ مؤنس البخاري

أما قبور و مدافن بعض السلاطين العثمانيين و عائلاتهم فهي لا تزال قائمة الى الآن و تستقبل زوارها من المسئولين الأتراك و عائلات السلاطين المدفونين فيها، و تتوضع في القسم الجنوبي و على طرفي المسجد الرئيسي.
______________

2- التكية الصغرى و هي بجهة الشرق حيث أقيمت على الطراز العثماني، و هي بناء مستقل لها مسجد خاص بها يمتاز بزخارفه الوفيرة، و رشاقة بنائه، و جمال بابه و نوافذه، و باحة واسعة تحيط بها أروقة و غرف تغطيها قباب متعددة، كانت تستعمل مأوى للغرباء و طلبة العلم.
و يقع سوقها التجاري إلى الشمال من المدرسة التي ألحقها السلطان القانوني، و يتكون من مجموعة من الحوانيت التي تساعد الحجاج على شراء ما يحتاجونه في طريقهم إلى بيت الله الحرام و يقسم إلى صفين شرقي و غربي بطول 85 م من كل جانب، و كل جانب يضم 22 محلاً و المحلات عبارة عن فراغات مغطاة بقبب طولية، غالبيتها لا تزال موجوة،

لوحة بطريقة الحفر مرسومة للتكية السليمانية
لوحة بطريقة الحفر مرسومة للتكية السليمانية

بإستثناء الجزء الشمالي الشرقي حيث أزيل بعضها لبناء ما يسمى سابقاً بدار المعلمين و التي أنشئت عام 1910م أيام الوالي فاضل باشا لتكون دارا” لإعداد المعلمين ثم أصبحت معهداً للحقوق عام 1923م و بعدها توالت على المبنى كل من وزارة المعارف و مديرية تربية دمشق و حالياً وزارة السياحة، و لهذا السوق بابان جنوبي يصلها بالتكية و المدرسة، و شمالي يصلها مع بقية أجزاء المدينة.

بعد تأسيس الجامعة السورية في دمشق 1934م استخدم جزء من بناء التكية لتدريس طب الأسنان ثم استخدمت كمقر لمطبعة مجلة الشرطة، و في عهد الاحتلال الفرنسي استقرت فيها قوات الجنرال غورو كما استخدمت فيما بعد كمدرسة شرعية اسلامية، في سنة 1948م لجأ إليها الفلسطينيون عندما أجبروا على النزوح من وطنهم، و في منتصف الخمسينيات أقيم في جانب من التكية متحف حربي يمثل تطور مختلف أنواع الأسلحة، إلى ان تم تفريغها منذ عدة سنوات بقصد ترميمها بالإتفاق مع الحكومة التركية، و تستخدم حاليا لإقامة المعارض الفنية و الهندسية، حيث أقيم فيها معرض للعمارة التركية في 23/12/2009 و هو معرض يضم أربعين لوحة من أبرز المعالم التاريخية و المعمارية “سورية و تركيا و العالم”، و من بينها “التكية السليمانية” للمعمار سنان آغا.

و في الجانب الثاني الذي يضم المدرسة أقيم سوق للصناعات اليدوية الدمشقية المتنوعة، من أبرزها صناعة الأنسجة الحريرية و البروكار و الموسلين و الاغباني و الدامسكينو و الحفر على الخشب و تطعيمه و الموزاييك و الصناعات الفضية و الزجاج اليدوي و صناعة الصدف و العاج و الزخارف العجمية و الخزف و الفخار و غيرها و ذلك منذ العام 1974م.

_____________

قصة بناء التكية السليمانية :

بنيت التكية السليمانية في دمشق على مثال التكية السليمانية في القسطنطينية “استانبول” و لبنائها حكاية أوردها النجم الغزي في الجزء الثالث من كتاب “الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة”، و مفادها أن السلطان سليمان رأى النبي صلى الله عليه و سلم في منامه و أمره أن يبني تكية في بستانه، و يقول “نجم الدين الغزي” في ترجمة السلطان سليمان:
” و كان السلطان سليمان ملكاً مطاعاً مجاهداً يحب العلم و العلماء و يقف عند الشرع الشريف و كان يترجم بالولاية عمر السليمانية بالقسطنطينية و هي أعظم مساجدها و أنورها “.

التكية السليمانية بعدسة بون فيلس
التكية السليمانية بعدسة بون فيلس

حكى أنه رأى النبي صلي الله عليه وسلم في بستانه في المنام، فأشار إليه بتعمير مسجد جامع به، و أراه مكاناً فلما استيقظ من منامه أقتطع جانباً من سراياه في البستان المذكور و عمرّه مسجداً عظيماً شيد بناءه و وسع فضاءه، قيل ووضع محرابه في الموضع الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه و سلم في منامه، و عمرّ إلى جانبه المدارس العظيمة أعظمها دار الحديث السليمانية و كان مصرف ذلك من غنائم

و أمر بتعمير التكية السليمانية بدمشق في موضع القصر الأبلق بالوادي الأخضر، و عمّر إليها مسجداً جامعاً و مدرسة عظيمة شرطها للمفتي بدمشق وكان ابتداء عمارة التكية و المسجد في سنة اثنتين و ستين و تسعمائة، كملت هذه العمارة في أوائل شهر صفر سنة سبع و ستين و تسعمائة، و ولي الإمامة بالمسجد المذكور شيخنا الشيخ زين الدين بن سلطان و الخطابة العلامة عبد الرحمن ابن قاضي القضاة ابن الفرفور، و خطب أول خطبة في يوم الجمعة في الرابع عشر من شعبان سنة سبع و ستين و تسعمائة، و حضر الخطبة قاضي القضاة بدمشق حينئذ شمس الدين محمد ابن شيخ الإسلام أبي السعود المفتي فأعجبته خطبته و كانت خطبة بليغة فيما يقال، و كان ممن حضر من أعيان الشام محمد بن قيصر و الشيخ سعد الدين الجباوي.

المدرسة السليمية
المدرسة السليمية

و في ذي القعدة الحرام منها وصل أمر شريف من قبل المرحوم السلطان سليمان صاحب الترجمة إلى دمشق بتعمير قلاع بطريق الحج الشامي و تعيين سنجق لكل قلعة و في صحبته سباهية و معلمون و فعول، و معهم ما يكفيهم من الزاد واحد بالقطرانة و ثانية بمعان و ثالثة بذات حج و أربعة بتبوك، فعمرت كما أمر و بقي الانتفاع إلى الآن، و له المدارس العظيمة بمكة المشرفة و غيرها و مات في بعض غزواته سنة أربع و سبعين و تسعمائة.

و لما وصل الخبر بموته إلى دمشق ركب قاضي قضاتها علي جلبي قنالي زاده و شيخ الإسلام الوالد للصلاة عليه إلى التكية السليمانية، و وضع القاضي على رأسه مئزراً أصفر و كذلك الشيخ الطيبي وبعض الفقهاء, و لم يفعل ذلك الوالد و أنكره عليهم لما فيها من إظهار الحداد.
المِعمار سِنان آغا :المعمار العثماني سنان آغا

و هو أشهر معماري عثماني، ويعد من من أبرز المعماريين في العالم، عاش في القرن العاشر الهجري (1489-1588م) في أوج العصر الذهبي للعمارة العثمانية و كان رئيس المعماريين و أشهرهم خلال حكم السلاطين الأربعة : “سليم الأول و سليمان الأول و سليم الثاني و مراد الثالث”.
يقول “هـ.كلوك” العالم الألماني و أستاذ تاريخ العمارة في جامعة فيينا: “إن سنان يتفوق فنيا علي مايكل أنجلو صاحب أكبر اسم فني .

إضافة مهمة منقولة من صفحة المهندس يوسف نجار :

بعدما استولى الأتراك على أدرنة عام 1362م، وعلى القسطنطينية عام 1453م امتدت امبراطوريتهم إلى سورية وعدد كبير من البلاد العربية والبلقانية، وأصبح طابع عمارة مباني عاصمتهم اصطنبول سائداً، ويعد مبنى التكية السليمانية في دمشق من روائع العمارة الإسلامية العثمانية، وأجمل هدية معمارية من السلطان سليمان القانوني العظيم Le magnifque إلى دمشق العروبة والإسلام. شيد مبنى التكية السليمانية في مكان مبنى قصر الأبلق المملوكي الذي بناه السلطان المملوكي

التكية السليمانية
التكية السليمانية

الظاهر بيبرس البندقداري غربي مدينة دمشق القديمة، وقيل إن تيمورلنك (1336-1405م) أقام فيه في أثناء حصاره مدينة دمشق عام 1400م، كما أقام فيه السلطان سليم الأول (1467-1520م) في طريقه إلى مصر وعودته إلى عاصمته. يقع مبنى التكية السليمانية في أجمل بقعة في دمشق، ففي شماله نهر بردى، وفي جنوبه نهر بانياس، وفي غربه المرج الأخضر، وفي جهته الشرقية بستان النعنع. ويبدو هذا المبنى المعماري الجميل بمئذنتيه الرشيقتين الشاهقتين المضلعتين، وقبابه المتعددة الجميلة منسجماً مع البيئة وجمال الطبيعة في هذا الموقع الجميل. التكية السلمانية ويبدو المسجد الكبير ذو الطراز العثماني الذي صممة المعمار سنان مع صحن المسجد والأروقة وخلفها تكايا الطلاب وكانت الغاية من تشييد هذا المبنى المعماري هي خدمة الحجاج، ليكون لهم خير محطة على طريق الحج، وليكون أيضاً مقراً لإقامة طلاب العلوم.

المدرسة السليمية جانب التكية عام 1870
المدرسة السليمية جانب التكية عام 1870

بدأت أعمال بناء هذه التكية السليمانية في دمشق عام 1554م وانتهت عام 1559م، وكان المهندس الرئيس لهذه المجموعة المعمارية الضخمة ملا آغا ومعه مراقبو البناء من الأتراك. وإن الطراز المعماري المتميز لمبنى هذه التكية السليمانية جعل بعض الباحثين ينسبون بناءه إلى المعمار المشهور سنان (1489-1578م). يحيط بمبنى التكية السليمانية سور حجري تخترقه ثلاثة أبواب. البوابتان الرئيستان في المحور الشرقي ـ الغربي وذلك تبعاً لطريق الحجيج ومجرى نهر بردى، أما البوابة الثالثة فهي صغيرة يتقدمها رواق تعلوه قبة وتطل على نهر بردى في جهة شمال المبنى. يضم المبنى التكية والجامع والمطبخ والمستودعات.

مخطط التكية السليمانية
مخطط التكية السليمانية

وجمال الحدائق في هذا المبنى يؤكد الرغبة في توفير حسن الإقامة الطيبة للحجاج، ولطلاب العلوم. تبلغ أبعاد مبنى التكية وحده 86م × 127م أي مساحة 10.822م2. وإن جمالية مبنى الجامع برواقه المزدوج وقبته ومئذنتيه الرشيقتين، تجذب الأنظار، وتغري الإنسان بالزيارة والاطلاع على هذه الجمالية المعمارية الحديثة الطراز. يقع حرم الجامع في جنوب مبنى التكية، ويتقدمه رواق رحب ومزدوج يعتمد على صفين من الأعمدة، يتألف الصف الأول من أربعة أعمدة يعلو كلاً منها قوس، ويتقدم الصف الثاني إلى الأمام ولكنه ينخفض عن الرواق الأول، ويتألف من اثني عشر عموداً، وهذا الرواق المزدوج أمام حرم الجامع يحقق توسعة للجامع، وإمكانية زيادة استيعاب عدد المصلين من أفواج الحجاج وغيرهم، ويتميز حرم الجامع المربع الشكل بجمال قبته. والجدير بالذكر أن المعمار لم يرغب في جعل الجدران سميكة أكثر من اللازم لهذا اعتمد على الدعائم الجدارية أو الأكتاف الجدارية لصد ثقل القبة في جهة الجنوب، علماً أن المئذنتين الرشيقتين الشاهقتين تقومان في الزاويتين الشماليتين بتحمل هذا الثقل في الجهة الشمالية، وأن الجدار الشمالي للجامع أكثر سماكة من بقية جدران الجامع. وبدت هاتان المئذنتان الرشيقتان الشاهقتان المضلعتان المنتهيتان في أعلاهما بشكل مخروطي كأنهما مائلتان، وتدلان على تأثير أشكال مآذن اصطنبول. إن من يقف في صحن المبنى ويتأمل في جمالية المظهر الخارجي لهذا الجامع، يكتشف أن الجذع المضلع لكل من هاتين المئذنتين يبدو كأنه محزز بقنوات تزيينية، وأن كلاً منهما تسمو روحياً في الآفاق العالية وتجسد الطموح الروحي، ويزينها جمال شرفة المؤذن المخرمة والمزينة في أسفلها بالمقرنصات، ويزين المنطقة الممتدة من شرفة المؤذن حتى القلنسوة الرصاصية المدببة شريط أو نطاق من ألواح الخزف القاشاني التي تبدو كأنها بقع زرقاء جميلة تتألق في الأعالي. إن قبة حرم الجامع تنتصب فوق رقبة معمارية مائلة الجوانب، وهناك الأكتاف المعمارية السائدة في الخارج. وقد تميزت نوافذ القبة بالزجاج الجميل الألوان، وتجد في داخل حرم الجامع المحراب الجميل بالمقرنصات. ويعد المنبر من روائع الفنون التطبيقية. أضف إلى هذه الجمالية ألواح الخزف القاشاني التي تزين أعلى النوافذ، وتمثل الورود والأزهار وتشابك سعف النخيل مع الأوراق النباتية. والجدير بالذكر، أن دمشق اشتهرت بصنع الخزف القاشاني المميز بجمال الورود والأزهار والأغصان النباتية والألوان الأزرق والأخضر والتدرجات اللونية الجذابة. وأمام مبنى الجامع ورواقه المزدوج

لقطة رائعة للتكية
لقطة رائعة للتكية

بحيرة في صحن المبنى كأنها مرآة مائية تعكس جمال أشعة الشمس ونباتات الحديقة. لهذه البركة شكل مستطيل كسيت بأحجار وردية اللون وسوداء متناوبة، وتتراقص المياه من نوافيرها بإيقاعات تترك أثرها الجمالي في نفوس الجميع. وتبدو على كل من جانبي صحن المبنى ست غرف متساوية تعلوها القباب، ويتقدم كل مجموعة منها رواق تغطيه القباب وتحمله أعمدة رشيقة. والجدير بالذكر أن توزيع هذه الأعمدة الرشيقة تم على أساس أن كل قبتين صغيرتين من قباب هذا الرواق تقابلان قبة كبيرة من قباب هذه الغرف الكائنة خلف الرواق، إضافة إلى ذلك أن مدخنة شاقولية تسهم في مواجهة تموجات المنظور الأفقي. ويلاحظ في داخل هذه الغرف أن الجدار الجنوبي لكل غرفة فيه حنية المدفئة وخزائن جدارية. وتطل منها نافذة وباب على صحن المبنى. كما تطل نافذتان صغيرتان على الحديقة التي كانت حول المنشأة من الخلف. ويتوسع صحن المبنى ليضم قسم الخدمات الذي يتوسطه المطبخ الذي تعلوه أربع قباب ذات فتحات للتهوية الضرورية، ويتصل بكل جانب من جانبي هذا المطبخ غرفتان مربعتا الشكل، يعلو كلاً منهما سقف هرمي مقطوع في أعلاه، جعلت هاتان الغرفتان مستودعاً ومخبزاً، وجعلت الغرفتان الأخريان للقيِّم على هذه المنشأة. وفي كل جانب من جانبي مجموعة المطبخ المعماري قاعة طويلة جداً يتوسطها صف من الدعائم يقسم هذه القاعة إلى جناحين، ويعلو هذه القاعة عدد من القباب موزعة في صفين في كل منهما سبع قباب. ويعلو مقدمة مجموعة المطبخ المعمارية اثنتا عشرة قبة صغيرة، علماً أن عدد مجموع قباب المبنى هو ثمان وثمانون قبة وتنفصل مجموعة المطبخ المعمارية عن هاتين القاعتين الطويلتين الجانبيتين. وبما أن الإنسان يتميز بحسه الجمالي للألوان، فقد تم الاهتمام بالألوان وغناها الذي يبدو فيما يأتي: – تناوب ألوان أحجار مداميك الجدران التي تبدو بشكل أشرطة أو نطاقات أفقية من الأحجار البازلتية السوداء والأحجار الجيرية البيضاء اللون. – إسهام ألواح الخزف القاشاني، التي تعلو النوافذ والأبواب، في إضفاء جمالية الألوان على المبنى. – استخدام الزخارف النافرة في أطر واجهة حرم الجامع ومحرابه، وهناك مقرنصات تيجان الأعمدة. ومقرنصات البوابات والمحراب، وتتكون هذهالمقرنصات من رؤوس بارزة وفراغات مجوفة متناوبة معها في إيقاعات جذابة.

منظر لرواق في التكية السليمانية الكبرى حقوق الملكية للمهندس أسامة البيك
منظر لرواق في التكية السليمانية الكبرى حقوق الملكية للمهندس أسامة البيك

التكية السليمانية: مظهر جبهي التكية السليمانية: الأروقة والصحن المشجر إن جمال ألوان زجاج نوافذ قبة حرم الجامع، وحديد النوافذ، وألواح الخزف ورسومه وكتاباته العربية، وجمال الفسيفساء، وخشبيات النوافذ والمنبر، والإضاءة، والحدائق، وإيقاعات مياه النوافير يجعل فن عمارة هذا المبنى مجمعاً للفنون الإسلامية. استخدمت غرف مبنى التكية السليمانية للثانوية الشرعية، ومنذ أيلول 1959 استخدمت هذه الغرف مؤقتاً مقراً لمتحف دمشق الحربي، عرضت فيها الآثار الحربية المتعلقة بتاريخ الحروب، وأنواع الأسلحة، وحرب تشرين التحريرية، والثورة السورية الكبرى، إضافة إلى ذلك النشاطات الفنية كالمعارض الفنية المؤقتة بمناسبة قومية. والجدير بالذكر أن مبنى التكية السليمانية يضم أيضاً تربة دفن فيها عدد من العثمانيين الكبار. وإن جمال طراز مبنى التكية السليمانية الذي ساد القرن السادس عشر جعل بعضهم ينسب بناء التكية السليمانية في دمشق إلى المعمار سنان الذي بلغت شهرته الأقاصي. ومن أهم ملحقات مبنى التكية السليمانية: المدرسة والسوق. المدرسة: بنيت المدرسة حسب مخطط يشبه مخطط مبنى التكية، وتقع المدرسة في شرق مبنى التكية. شيدت عام 1566م.

لقطة رائعه و نادرة للتكية السليمانية من الخارج
لقطة رائعه و نادرة للتكية السليمانية من الخارج

واستمرت أعمال البناء فيها حتى عام 1574م. لها ثلاثة أبواب ثانوية، وباب رئيسي واحد في الجهة الشمالية من المبنى يؤدي إلى صحن المدرسة الذي يتوسطه بحيرة تشبه بحيرة مبنى التكية السليمانية. وفي جنوب المبنى مصلى المدرسة، مربع الشكل تعلوه قبة كبيرة وجميلة. تزينه ألواح الخزف القاشاني الجميلة، والنوافذ الجصية المطعمة بألواح الزجاج الملون، وكانت القبة فوق رقبة مائلة وتتألف من اثني عشر ضلعاً وتخترقها اثنتا عشرة نافذة جصية ذات ألواح زجاجية ملونة. وهناك اثنتا عشرة غرفة تتقدمها الأروقة وتعلوها القباب وتتوزع على جبهات المبنى الأربع حول الصحن، وتقوم هذه الأروقة على أعمدة رشيقة وقصيرة، وتبلغ أبعاد كل غرفة 6م × 6م ومساحتها 36م2. وهناك ثلاث قباب تغطي دهليز المدخل، والرواق الأمامي لمصلى المدرسة. وشيد في الواجهة الشمالية الخارجية لمبنى المدرسة دكاكين تجارية تكوّن الجناح الجنوبي للسوق الممتدة من الشرق إلى الغرب مسافة خمسة وثمانين متراً، وذلك لتلبية متطلبات الحجاج المعسكرين في المرج الأخضر. وكان لهذا الجناح الجنوبي من السوق جناح آخر شمالي، يقابله ويتوسطه باب مقابل الباب الرئيسي لمبنى المدرسة، ولهذه السوق باب في الجهة الشرقية يؤدي إلى السوق ثم إلى مبنى المدرسة، وباب في الجهة الغربية يؤدي إلى هذه السوق من مبنى التكية. والجدير بالذكر أن باب الجهة الشرقية قد تهدم فأعيد بناؤه في عهد السلطان مصطفى الثالث، لأن هناك كتابة أثرية على عتبة هذا الباب الشرقي تتضمن ما يأتي «جدد هذا الباب السلطاني السليماني في زمان السلطان بن السلطان مصطفى خان بن السلطان أحمد خان بنظارة المرحوم موسى بك»، والجدير بالذكر أنه كان يعلو هذه الدكاكين حجيرات صغيرة تهدمت.

التكية السليمانية بعد ردم مجرى بردى
التكية السليمانية بعد ردم مجرى بردى

وكان عدد هذه الدكاكين في هذه السوق واحداً وعشرين دكاناً. وذكر الرحالة تيفينوThevenot، أنه رأى في هذا المكان بعض الاصطبلات. شيد في هذا المكان مبنى لكلية الطب، ثم صار على التوالي: داراً للمعلمين، وزارةً للمعارف ومديريةً للتربية بدمشق، وأخيراً مقراً لوزارة السياحة. أما دكاكين السوق في الجناح الجنوبي فقد رممت وتحولت إلى سوق للمهن اليدوية لتلبية المتطلبات السياحية. بشير زهدي مراجع للاستزادة: ـ عبد القادر الريحاوي، «الأبنية الأثرية في دمشق، دراسة وتحقيق التكية والمدرسة السليمانيتان بدمشق»، مجلة الحوليات الأثرية السورية، المجلد السابع (1957). ـ كارل واتسينجر: الآثار الإسلامية في مدينة دمشق، تعريب قاسم طوير، تعليق عبد القادر الريحاوي، (دمشق 1984). – J.Sauvaget, Les Monuments historiques de Damas et Beyrouth (Imprimerie Catholique 1932). – S.Abdul – Hak, Aspect de l’ancienne Damas. – Publication de la direction générale des antiquités et des musées… P. 126-131. الموسوعة العربية رقم صفحه البحث ضمن المجلد:123

الصورة الأصل للرسم التكية السليمانية 1880
الصورة الأصل للرسم التكية السليمانية 1880
رسم يدوي للتكية السليمانية
رسم يدوي للتكية السليمانية
منظر بانورامي رائع لفناء التكية السليمانية الصغرى ~حقوق الملكية للصورة للمهندس أسامة البيك
منظر بانورامي رائع لفناء التكية السليمانية الصغرى ~حقوق الملكية للصورة للمهندس أسامة البيك

________

رابط قصير للتدوينة: